قد لا نعرف قيمة ما نملك إلا عندما نكاد نفقده
على مدار عشرة أعوام، ظل بيت “ياسر” و “لين” قائمًا على أساس من الصمت الطويل. تزوجها مرغمًا تحت إصرار والديه، وحاول بجهد أن يفتح قلبه لها، لكن كل محاولاته ذهبت أدراج الرياح. ظل شعور بالذنب ينخر قلبه كلما نظر إليها — لأنها لا تستحق أن تكون مجرد “رفيقة سرير” لرجل لا يحبها.
وفي يوم حاسم، عاد من العمل مصممًا على إنهاء المسرحية. وجدها قد جهزت طعام الغداء بحنان معتاد، لكنه تجاوز كل ذلك وقال بجدية: “لدي أمر مهم يجب أن نناقشه”.
ارتبكت لين، لكنه واصل: “أنا لا أحبك، وأنت تعرفين ذلك. تعرفت على فتاة في العمل، وأريد الزواج منها. الحل الوحيد هو الطلاق، لأنني لا أريد أن أظلمك”.
توقع غضبًا، صراخًا، اتهامات… لكن ابتسامة هادئة هي كل ما جاء ردًا. قالت بهدوء: “موافقة على الطلاق، لكن بشرطين فقط”.
أجاب على الفور: “أوافق على أي شروط”.
قالت: “الشرط الأول: أن نؤجل الطلاق حتى ينتهي ابننا يوسف من امتحاناته كي لا تتأثر نفسيته. والشرط الثاني: أن تحملني كل ليلة من باب المنزل إلى غرفة نومنا لمدة شهر كامل.”
استغرب ياسر الشرط الثاني، لكنه وافق راغبًا في التحرر.
وبدأت الرحلة… كل ليلة، كان يحملها في ذراعيه، وهي تطوق عنقه وتهمس له بكلمات حنونة، بينما يركض ابنهما يوسف مسرورًا حولهما، ضاحكًا، ليشكلوا لوحة عائلية نادرة.
مع الأيام، بدأ ياسر يشعر بشيء غريب يتحرك في أعماقه. أصبح ينتظر لحظة عودته ليعيش تلك الدقائق الحميمة. بدأ يلاحظ تفاصيلها: هدوئها، ابتسامتها، رقتها مع ابنهما. حتى مشاعره تجاه “الحبيبة” في العمل تبخرت وحلّت مكانها رغبة غريبة في الاقتراب من لين.
انتهى الشهر، واختفت فكرة الطلاق من رأسه. ندم على سنوات الإهمال، وأدرك كم كانت جوهرة ثمينة بجانبه.
في اليوم التالي، عاد ليصحح خطأه، فوجدها مرتدة على الأرض في حالة إعياء. حملها مسرعًا، وبصوت مكسور قالت له: “السرطان… لن أعيش أكثر من بضعة أسابيع. لم أرد أن أزعجك أو أؤثر على يوسف. أردت فقط… أن تقترب منه في آخر أيامي.”
صمتت دموعه، بينما رحلت عنها الروح بهدوء، تاركة إياه في بحر من الندم.
يكتب ياسر في مذكراته بعد سنوات:
“المرأة ليست جدارًا تدفعه حين تضيق، ولا أرضًا تدوسها حين تشتد خطاك. هي الروح التي إن فارقتك، صار كل ما حولك موتى. تعلمت متأخرًا: الحب لا يبدأ بشرارة، بل يبدأ بانتباه. والندم لا يليق بالرجال، لأنه يأتي بعد فوات الأوان.“
خلاصة القصة:
قد لا نعرف قيمة ما نملك إلا عندما نكاد نفقده،
والحب قد لا يولد من النظرة الأولى، بل من النظرة الحقيقية التي نمنحها لمن يظل إلى جانبنا.
لكن بعض الدروس.. تصل إلينا بثمن يفوق الاحتمال.



