سواليف / حكمةقصص حقيقيةقصص واستفسارات المتابعين

قصص عربية واعترافات جريئة:

كنت في السادسة عشر عندما عرفت يحي، كان شقيق صديقتي المقرّبة، كان في الثانية و العشرين من عمره، لكنّه يبدو أكبر بكثير، ترك المدرسة لأنه فشل مرّات عدّة في اجتياز المرحلة الإعداديّة، و لم يعمل شيئا بعدها، رأيته مرارا و أنا أزور صديقتي، ثمّ تفاجأت به يوما يراسلني، و يطلب أن نتحدّث، لم أرد، كرّر طلبه مرّات و مرّات، ثمّ راح يكتب لي عن إعجابه به، و رغبته في أن أكون زوجته في المستقبل، و أكّد أنّه جادّ حقّا، فهو لا يتجرّأ أن يؤذي صديقة أخته المقرّبة، أجبته و بدأت حكايتنا.


لسنة كاملة كنّا نتراسل، و نادرا ما نتكلّم، كانت أخته تعرف لكنّها تتجاهل، و عرفت أمّي أيضا، و لم تفعل شيئا، مادام ذلك لم يؤثر في نتائجي.
عائلتي أنا مختلفة، أمّي ربّة بيت، لم تتعلّم، لا تعمل، لكنّها كانت الآمر الناهي الوحيد في بيتنا، أبي كان دوره فقط توفير المال المطلوب لنعيش و تقضي أمّي حاجاتنا، كان ضعيفا جدّا أمامها، لا يعارضها أبدا، و لا يرفض لها طلبا، و هي في الغالب لا تستشيره فيما تقرر أو تفعل، و كان لي شقيقين أصغر مني في المدرسة.
تقدّم يحي ليخطبني، قبلت أنا، و رفضت أمّي، حاولت أن أقنعها لكنّها لم تسمعني أبدا، أخبرتني دائما أنّي لن أتزوّج قبل أن أتخرّج من الجامعة، و لأنّ يحي كان عاطلا عن العمل أصرّت على موقفها، و لم يكن ثمّة أيّ أحد يمكن أن يؤثّر فيها أو يضغط عليها لتغيّر رأيها، ففعلت أنا.


أهملت دراستي، و كانت نتائجي في تلك السنة متدنية إلى درجة لا تصدّق، لم يحدث هذا سابقا أبدا، جُنّت أمي، صرخت و هدّدتني أن تحبسني في البيت بقيّة عمري إن لم تتحسّن علاماتي الفصل القادم، لكنّي لم أهتم، كنت قد قرّرت أن الأمر انتهى، لم أعد أريد أن أذهب إلى الجامعة، أريد أن أجتمع و يحي، و ليحدث بعدها ما يحدث.
سقطت تلك السنة لأوّل مرّة في مشواري الدراسيّ، و مهما صرخت أمّي لم أتأثّر، لكنّها أيضا لم تغيّر رأيها بشأن يحي، قالت كثيرا أنّي لا أزال طفلة، و أنّ الزواج مسؤولية لن أستطيع تحمّل أعبائها، و أنّ يحي أيضا غير جاهز ليفتح بيتا و هو يعيش على نفقة أهله.


و في محاولة أخيرة أضربت عن الطعام لأسبوع كامل فرضخت أمّي، و تمّ لي ما كنت أريد.
تزوّجنا، و كانت الأرض كلّها لا تسع فرحتي، لقد اجتمعت أخيرا و الرجل الذي أحببت، و ظننتني دخلت جنّة الدنيا التي أخبرني عنها لسنتين كاملتين، و طبعا أقمنا في بيت أهله.
عائلة يحي لا تشبه عائلتي أبدا، هم أفضل منّا من جوانب عدّة، ميسوري الحال، والده هو سيّد البيت، أمّه محترمة و طيّبة، و شقيقاته مؤدّبات بالكاد تُسمع أصواتهنّ، لكنّ يحي مختلف إلى درجة لا توصف، لأنّه الولد الذكر الوحيد فقد أفسدوه كلّهم بمعاملتهم الخاصّة له، و طبعا أنا ابنة أمّي المرأة المتسلّطة القويّة، و كان هذا سبب خلافاتنا التي بدأت بعد فترة قصيرة جدّا.
لم أستطع أبدا أن أتعوّد على البقاء في البيت طيلة اليوم، كان روتين الحياة مملّ جدّا هناك، و كان من الصعب أن أطلب كلّ ما أريد من حماتي، لأنّ زوجي عاطل عن العمل، كنت أتغيّر كلّما مرّ الوقت، و أرى أمورا لم أكن أراها من قبل أبدا، كنت أسمع أحاديث النساء عن أزواجهنّ، و أقارن نفسي بهنّ، و مع أنً أهله لم يرفضوا لي طلبا، لكنّي استثقلت الحياة معهم، أنا و هو نعيش على نفقتهم، لماذا لا يفعل هو شيئا، بدل النوم حتى منتصف النهار، و التسكّع بلا فائدة بقيّة اليوم.
حدّثته في الموضوع، فوعدني خيرا، لكنّه لم يتغيّر، و رحت أعيد و أعيد فأزعجته، و راح يصرخ، و أنا أجيبه، ارتفعت أصواتنا و تدخّل أهله، و لم ينصفوني عندما سمعوا سبب خلافنا، أخبرتني أمّه أنّه كان يجب أن أفكّر في هذا الأمر قبل الزواج، و قال لي والده إن كنت أحتاج أيّ شيء فسيلبيه مهما كان، المهم أن لا أفتعل المشاكل، أمّا أمّي فلم تسمح لي أبدا أن أكلّمها في الموضوع، و قالت: هذا خيارك، تحمّلي مسؤوليتك، بل و لمّحت أيضا أنّها لن تقبل أن أعود إليها مطلّقة مهما حدث.


أدركت بعدها أنّي تسرّعت جدّا، و لأنّه لم يكن بيدي أن أفعل شيئا رضخت و إن لم أرضَ.
مرّ عام على زواجنا، أنجبت ولدا، و قبل أن يتمّ شهره الأوّل مات فجأة والد زوجي، حدث خلاف بينه و بين شقيقه، لم يتحمّل، توقّف قلبه و غادر الدنيا.
بعد أسبوع واحد تفاجأنا بمصائب أخرى، عمّ زوجي يمهلنا شهرا واحدا لنغادر البيت، جاءنا بوثائق تؤكد أنّه اشترى البيت و المحلّ من شقيقه قبل سنة كاملة، كان هذا هو سبب خلافهما قبل أن يرحل فقيدنا.
لم نصدّق، لم نفهم شيئا، ما الذي حدث، و كيف حدث، قال المحامي أنّ وثائقه قانونية غير مزوّرة و لا مشكوك فيها.
لجأنا و حماتي إلى بيت أهلها في البداية، لكن لم يكن بوسع إخوتها أن يتحمّلوا عائلة كاملة، بقينا هناك شهرا كاملا، كان أطول و أثقل شهر مرّ علىّ، و حتما كان الأمر كذلك بالنسبة للجميع.

لم يتغيّر زوجي هناك أيضا، كان ينام حتى منتصف النهار، كان المال الذي تركه والده على وشك أن ينفد، حدّثته مرّة أخرى، طلبت أن يخرج ليبحث عن عمل، في أي مكان، المهم أن يأتي بقوت يومه، كنت أعرف أنّنا سنغادر بيت جدّه و لو بعد حين، و حدث ذلك فعلا.


استأجرت حماتي بيتا صغيرا و انتقلنا، كانت تبيع حليّها قطعة قطعة كلّما احتاجت لتنفق علينا، و كنت أكاد أموت غيظا، عندما أراها تخرج صباحا لتعود محمّلة بما نحتاج إليه، بينما ينام زوجي كعادته، كلّمتها لتكلّمه، و لم تفعل، فبدأت ألحّ أنا عليه، و بدأت خلافاتنا من جديد، و ازدادت يوما بعد آخر، فهدّدته أن أتركه، لكنّه لم يهتمّ أبدا، لم أكن أخبر أمّي عن ما نعانيه، و كانت تشعر لكنّها لم تسألني يوما، كأنّه لم يعد يعنيها شأني.
انتهت مدخرات حماتي، باعت كلّ حليّها، و أنفقت المال، بعد عام واحد، ازدادت الأوضاع سوء، كنا على شفا هاوية، كثرت الديون، بالكاد نجد ما نسدّ به جوعنا، صاحب البيت يهدّد بطردنا إلى الشارع، لا أحد يسأل عنّا، و زوجي مستهتر لا يهمّه كل ما يحدث.
و بدأت حماتي تبحث عن عمل، امرأة في الستّين من عمرها، عاشت طيلة حياتها معزّزة مكرّمة في بيتها، بدأت تعمل في بيوت النّاس لتأتي بالقوت لعائلتها، و لابن شاب في السادسة و العشرين من عمره، لم أستطع أن أتحمّل ذلك، صرختُ في وجهه، عاتبته، قلت له كلاما ثقيلا لم يتحمّله فطلّقني و طردني دون أن يرفّ له جفن.
عدت أجرّ أذيال خيبتي إلى بيت أهلي، و هناك واجهت ما هو أسوأ بكثير، كأنّ أمّي لم تعد أمّي، كانت قاسية جدّا كما لم أعهدها من قبل أبدا، قالت لي بصراحة أنّها لن تتحمّل مسؤولية طفلي، لهذا يجب أن أجد لي عملا لأنفق عليه، و لكن لمن أتركه إن خرجت للعمل؟.
حاولت حماتي أن تصلح بيننا، لكن كان الأمر أكبر بكثير من تلك الخلافات التي كان يسهل عليها أن تحلّها في الماضي، و لم أكن أريد أن أعود إليه مهما حدث.
خرجت للعمل، بعد بحث طويل، وجدت سيّدة تقبل أن يبقى ابني معي، كانت تريد أحدا يعتني بأمّها المصابة بالزهايمر مقابل مبلغ من المال، لم يكن كبيرا، لكنّه كان كافيا لأعيل نفسي و ابني إلى أن يقضي اللّه فينا قضاءه.
بعد أشهر، سمعت أن يحي هاجر إلى أوربا، ذهب و ترك والدته و شقيقاته يواجهن الحياة بلا أحد، و فاجأتني أمّي بعدها بفترة قصيرة تطلب منّي أن أنتقل لأعيش مع حماتي، فلم يعد ثمّة مانع من ذلك، كانت حماتي تتّصل دائما تسأل عن حفيدها، و تعرض مساعدتها، و كنت أرفض، و أدّعي أنّ أهلي يعتنون بنا، ثمّ لمّا طلبت أمّي أن أغادر غادرت فعلا.


عدت لأعيش مع حماتي و بناتها، و استقبلنني كأنّ شيئا لم يحدث، و هناك كانت الحياة أفضل بكثير ممّا كانت عليه في بيت أهلي، هناك لا يضيقون بي و بابني ذرعا أبدا، و يساعدنوني في الاعتناء به و النفقة عليه.
و مضت الأيّام و السنون، ابني الآن في المدرسة، هو في العاشرة من عمره، تخرّجت شقيقات زوجي واحدة تلوى الأخرى، و توظفن، و تزوجت اثنتين منهنّ، أعيش و حماتي و ابنتها الصغرى معا، ماتت تلك العجوز المصابة بالزهايمر التي كنت أعتني به، و انتقلت لأعمل في مكان آخر، هذه المرّة أعتني بأطفال أمّهم موظّفة، و تركت حماتي العمل، لم تعد تطيق ما كانت تطيقه سابقا، أنا و بناتها نعتني بها و نلبّي طلباتها، كانت لي أمّا أكثر من أمّي، و اعتنت بطفلي أكثر من أبيه، لهذا لن أتركها، لن أتخلّى عنها أبدا، لكنّي لن أفعل مثلها، لن أربّي ابني متواكلا متهاونا، لن أدلّله، سأعلّمه من الآن كيف يكون رجلا راعيا مسؤولا عن رعيّته.
انتهت.

بقلم / أم جواد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى