قصة وعِبرة

(قصة فتاة – حقيقية)

تقول صاحبة القصة:

أنا امرأة أبلغ من العمر أربعين عامًا.
وُلدت في أسرة راقية شديدة الثراء، كل ما أطلبه كان يُلبّى في اللحظة نفسها.
كنت الابنة الصغرى بين إخوتي، مدللة إلى أبعد حد، درست في مدارس خاصة، حيث الدلال في التعليم واللباس والحياة كلها.

كنت أرى الدنيا ملكًا لي، أفعل ما أشاء دون حساب.

بداية التحوّل

عندما بلغت العشرين، وكنت في زهرة شبابي وجمالي، التحقت بالجامعة.
في السنة الأولى تعرّفت على فتاة تكبرني بعامين.

كانت مختلفة…
هادئة، قليلة الكلام، تميل للعزلة، بعيدة عن ضجيج الضحك والاختلاط.
دائمًا أراها تحمل مصحفًا صغيرًا في حقيبتها، وتقرأ فيه بانشغال تام، حتى إنها لا تشعر بوجودي حين أحدثها.

بدأ الفضول يقتلني، فقلت لها يومًا:

أنا:
– ما الذي يلهيك هكذا؟!

نظرت إليّ، وابتسمت بهدوء، ثم أومأت برأسها وكأنها تقول: انتظري.

بعد أن أنهت القراءة، التفتت إليّ وقالت:

هي:
– لماذا لا تجرّبين؟

أنا:
– أقرأ القرآن… لكن ليس بانتظام، ولا أحفظه.

ابتسمت وقالت:

هي:
– احفظي اليوم سورة قصيرة، وغدًا تعالي واقرئيها لي غيبًا، وسأخبرك ما الذي يشغلني مع القرآن.

أنا (متعجبة):
– ولماذا؟

هي:
– ألا تريدين أن تعرفي؟

وافقت… ولم أكن أعلم أن تلك اللحظة ستغيّر حياتي.

نور القرآن

بدأت بحفظ السور القصيرة، سورة بعد سورة،
ويومًا بعد يوم ازداد تعلقي بالقرآن، حتى صرت مثلها:
أنهمك في القراءة، ولا أشعر بمن حولي.

لكن العقبة الكبرى كانت عائلتي.

اعتدنا إقامة حفلة كل أسبوع، غناء ورقص وضجيج.
وعندما بدأت أعتذر وأبتعد، غضبت أمي وقالت:

أمي:
– لماذا تنعزلين؟ لا أريدك أن تصبحي معقّدة!

كنت أبكي سرًا وأسأل الله العون.

زواج واستقامة

تزوجت لاحقًا رجلًا ميسور الحال، ملتزمًا بدينه،
بعد جهد كبير لإقناع أهلي الذين رفضوه في البداية.

رزقني الله بولد وبنت،
أصبحا كل حياتي، وتعليمهما وتربيتهما وتحفيظهما القرآن شغلي الشاغل.

وما زلت…
أحفظ القرآن دون كلل أو ملل.

اللقاء الأخير

في أحد الأيام، التقيت بزميلتي التي كانت سبب هدايتي.
فرحت بها كثيرًا، احتضنتها وقلت:

أنا:
– اشتقت لك، ولن أنسى فضلك ما حييت.

ابتسمت وقالت:

هي:
– هاتي يدك… إلى الجنة.

ضحكت وقلت:

أنا:
– يدًا بيد، نشدّ بعضنا هناك إن شاء الله.

افترقنا…
كل واحدة اتجهت في طريقها.

بعد لحظات فقط، سمعت صوت حادثٍ مروّع،
ثم سيارات إسعاف…
دق قلبي بقوة، وعدت مسرعة.

رأيتها…
محمولة على سرير، والدماء تنهمر منها.

اقتربت منها بصعوبة، ودموعي تسبقني،
فتحت عينيها بصوت مختنق وقالت:

هي:
– سامحيني…

أنا (مذهولة):
– على ماذا؟

قالت وهي تبتسم ابتسامة الوداع:

هي:
– لأني أمسكت بيدك وقلت: معًا إلى الجنة…
– وها أنا أسبقك إليها…
– إني أشم ريحها…

ثم بدأت تردد:
أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله ﷺ
وفاضت روحها.

العبرة

عندها أدركت:
لا أمان في الدنيا… ولا طمأنينة إلا مع الله.

مرت سنوات، وما زالت كلماتها تسكن قلبي.
عاهدت نفسي، وعاهدتها، أن أبذل كل جهدي لأكون معها في الجنة،
وأسأل الله أن يجمعني بها في الفردوس الأعلى.

قال رسول الله ﷺ:
«المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل»

وصية غالية:
أكثروا من الأصدقاء الصالحين…
فهم نور الطريق، وبصحبتهم تتغير الحياة 💚

سؤال يطرح نفسه:
هل تتمنى أن تكون من أهل القرآن وخاصته؟
الطريق واضح:
تلاوته آناء الليل وأطراف النهار،
ليكون شفيعك يوم القيامة.

Exit mobile version