حيث تتسارع الأيام وتتبدل الأحوال، كان هناك رجل أعمال ثري، بنى إمبراطورية من المال والعقارات. اسمه “سعيد”، وكان سعيدًا بثروته التي جمعها، لكنه كان يفتقر إلى شيء أهم من المال.
في أحد الأيام، زاره صديق قديم اسمه “حكيم”، لم يره سعيد منذ سنوات طويلة، لقد جمعتهما أيام الدراسة والشباب، لكن العمل ومشاغل الحياة فرّقتهما. استقبل سعيد صديقه بحفاوة بالغة، وأقام له وليمة فاخرة تليق بمقامه.
بعد أن قضيا وقتًا ممتعًا في الحديث عن الماضي والذكريات، قال سعيد لصديقه بزهو: “يا حكيم، أريد أن تأتي معي في جولة لأريك ثمرة تعبي وسنوات عمري التي قضيتها في العمل الجاد. أريدك أن ترى ماذا أنجزت في حياتي!”
ابتسم حكيم بهدوء وقال: “بالتأكيد يا سعيد، يشرفني ذلك.”
انطلقا في جولة طويلة، مرّا فيها على القصور الفاخرة التي يمتلكها سعيد، والمباني الشاهقة التي تحمل اسمه، والمزارع الواسعة التي تدر عليه الأموال. كان سعيد يشرح لصديقه تفاصيل كل مشروع، وعن حجم استثماراته ونجاحاته المتتالية، وهو يتوقع من صديقه كلمات الإعجاب والثناء.
وعندما انتهت الجولة، نظر سعيد إلى صديقه بانتظار، وسأله بثقة: “ما رأيك يا حكيم فيما شاهدت؟ أليس إنجازًا عظيمًا؟”
نظر حكيم إلى صديقه بنظرة حانية، وقال بصوت هادئ ولكنه يحمل في طياته حكمة بالغة: “والله يا سعيد، لم أرَ شيئًا!”
صُدم سعيد من إجابة صديقه، وشعر بغضب خفيف ممزوج بالدهشة. “كيف لم ترَ شيئًا؟! لقد أريتك قصوري ومزروعاتي ومصانعي، ألم ترَ كل هذا؟!”
تنهد حكيم وقال: “يا صديقي العزيز، كل الذي رأيته هو أملاك الورثة بعد موتك! كل هذه الثروة التي تتباهى بها، لن تذهب معك إلى قبرك. لم أرَ لك مسجدًا تشيده، أو وقفًا خيريًا ينتفع به الناس ويكون لك صدقة جارية بعد موتك. لم أرَ لك إنجازًا حقيقيًا ينفعك في الآخرة، فما الفائدة من كل هذا لو لم يكن لك رصيد عند رب العالمين؟”
نزلت كلمات حكيم على سعيد كالصاعقة، لم يكن يتوقع مثل هذا الرد. شعر سعيد وكأن سقف الدنيا قد انهار فوق رأسه. أدرك فجأة أن كل ما جمعه في حياته، لم يكن سوى سراب، وأن السعادة الحقيقية والإنجاز الحقيقي يكمنان في ما تقدمه لآخرتك.
بعد أن ودع صديقه حكيم، لم يضيع سعيد وقتًا. في نفس اليوم، بدأ فورًا في التخطيط لبناء مسجد كبير يتسع لألفي مصلٍ، مزودًا بكل المرافق الضرورية، من سكن للإمام والمؤذن، ومغسلة أموات، ومكتبة إسلامية. وضع كل جهده وماله في هذا المشروع، وهو يشعر براحة لم يشعر بها من قبل.
وبعد حوالي شهرين من بدء العمل في المسجد، توفي سعيد رحمه الله، تاركًا خلفه هذا المسجد الشاهد على صحوة قلبه وتوبته. لقد كانت نصيحة صديقه الصالح سببًا في تغيير مجرى حياته، ومنحته رصيدًا عظيمًا في الآخرة.
