عاشق من عالم الغيب – الجزء الأول

منذ نعومة أظافري، كانت تحدث معي أمور غريبة لم أستطع تفسيرها، وأحيانًا كنت أغض الطرف عنها ظنًا مني أنها مجرد خيالات الطفولة. ولكن حين بلغت التاسعة من عمري، حدثت تجربة غيرت حياتي بالكامل.

كنت ألعب في شوارع قريتنا الصغيرة مع أصدقائي حين اقترب مني طفل يبدو في مثل عمري. كان ينظر إليّ بعينين صافيتين، وقال بصوت لطيف وواثق:
– “ليلى، ليلى!”

تراجعت للحظة، متعجبة من معرفته لاسمي، وسألته ببراءة:
– “من أنت؟”

ابتسم وقال:
– “انظري خلفك.”

التفتُّ لأرى طفلًا صغيرًا، نظيف المظهر، ذو ابتسامة دافئة تشع بالنقاء والبراءة.
– “من أنت؟” كررت السؤال، ولكن شعرت بفضول غريب يجذبني إليه.
– “أنا يوسف، أود أن أكون صديقك.”
– “ولكن كيف عرفت اسمي؟”
– “سألت أصدقائك أولًا.”

ابتسمت بخجل، ووافقت على مضض، ثم قال لي:
– “تعالي، سأريك مكانًا جميلاً للعب.”

أمسك بيدي بلطف، وقادني عبر طرقات لم أرها من قبل، خلف حدود قريتنا حيث تتشابك الأشجار والأزهار في لوحة طبيعية ساحرة. شعرت وكأنني دخلت عالمًا آخر، مليئًا بالضوء والهدوء والبهجة، مختلف تمامًا عن الشوارع الترابية التي أعرفها.

– “ها قد وصلنا!” قال يوسف، وكان وجهه يشع حماسًا وفرحًا.
– “ما هذا المكان؟” سألته بدهشة، وأنا أتمتم لنفسي: “كم هو جميل!”
– “لا تخافي، تعالي ندخل.”

دخلت ممسكة بيده، وكانت أصابعه دافئة ومطمئنة، وبدأنا نستكشف المكان معًا. الأزهار تتمايل مع نسيم خفيف، والعصافير تزقزق بألحان مبهجة، وكأن الجنينة نفسها تحتفل بوصولنا. لعبنا بين الأشجار والزهور حتى اقترب وقت المغيب، حين أدركت أنني تأخرت عن البيت.

– “يوسف، يجب أن أعود الآن، أمي ستقلق عليّ.”
– “لا بأس، سأوصلك إلى المنزل.”

عاد يوسف معي على نفس الطريق، وعند وصولي، وقفت عند باب المنزل ألوح له مودعة، وهو أيضًا لوح لي بابتسامة هادئة ومطمئنة.

دخلت المنزل، ووجدت والدتي، سارة، قلقة للغاية:
– “أين كنت يا ليلى؟ لقد شعرت بالقلق الشديد!”

ابتسمت وأنا أحاول التعبير عن فرحتي بما حدث:
– “مامي، لن تصدقي ما سأخبرك به. جاء إليّ صديقي يوسف وأخذني إلى جنينة خلف القرية، مكان ساحر لم أرَه من قبل!”

صدمت والدتي وعلت ملامح الدهشة على وجهها:
– “جنينة؟ خلف القرية؟ هل تمزحين؟! يا ليلى، أهذا حقيقي أم خيال؟”

ضحكت بخفة وأنا أطمئنها:
– “لا يا أمي، هذا حقيقي. غدًا سأصحبك معي لتري بنفسك.”
– “حسنًا، ولكن إذا تبين أن هذا غير صحيح، سأضطر لأخذك إلى شيخ للتأكد.”
– “تمام، ما المشكلة؟ غدًا سترين كل شيء بعينيك.”

وهكذا انتهى ذلك اليوم، يوم التقيت فيه بيوسف لأول مرة، الطفل الغامض الذي سيغير حياتي في المستقبل، وسيكشف لي أسرارًا لم أكن أتخيلها يومًا

Exit mobile version