يقول راوي القصة:
على حدود المنطقة المركزية بجانب الحرم النبوي الشريف، دخلتُ أحد صالونات الحلاقة.
وبينما أنا في الانتظار، لفت نظري ثلاثةُ شبابٍ يقفون خارج الصالون، ومعهم والدهم الطاعن في السن، وقد بدت عليه علامات الهرم والخرف.
حين جاء دورهم، حملوا والدهم المقعد على عربة، واقتربوا به من الحلاق.
من بين الإخوة الثلاثة، كان هناك شاب متوسط الطول، يلبس لباسًا شبابيًا عصريًا:
بنطال منتصف الساق، نظارة ماركة، حالق اللحية…
لا شيء في مظهره يوحي بالتدين كما اعتاد الناس أن يحكموا.
فقلت في نفسي:
ترى كيف سيتعامل هذا الشاب مع أبيه؟
مشهد لا يُنسى
نادى الشاب الحلاق وقال له:
“خفف شارب أبوي… غطّى فمه.”
اقترب الحلاق،
والشاب يمسك بيدي أبيه،
والأب يرفض ويصرخ ويشتم.
والشاب لا يرد إلا بكلمات واحدة، يكررها بصوت حنون:
“تسلم يا بيّي… تسلم يا بيّي.”
بدأ الحلاق يقص الشارب الكثيف،
والعجوز يصرخ:
“بيأذيني… بيأذيني!”
والشاب يطمئنه:
“والله ما يأذيك يا بيّي.”
وفجأة…
بصق العجوز في وجه ابنه.
فمسح الشاب وجهه بهدوء وابتسامة، وقال:
“تسلم يا بيّي.”
والله…
هزّني المشهد من الداخل.
برّ عند الاختبار
واصل الحلاق عمله بصعوبة.
حاول العجوز عضّ ماكينة الحلاقة،
فانتزعها الابن منه بلطف.
ثم بصق العجوز في وجهه مرةً أخرى… ثم ثالثة.
فطلب الشاب منديلًا من أخيه،
مسح وجهه،
وكرر بابتسامة صادقة:
“تسلم يا بيّي.”
— يشهد الله أن هذه القصة نُقلت كما وقعت دون زيادة حرف واحد —
ما إن انتهى الحلاق،
حتى انحنى الشاب يقبّل رأس أبيه.
وكان يفعل ذلك كلما بصق عليه.
وحين اشتد غضب العجوز،
قدّم الشاب وجهه له ليضربه حتى يهدأ،
ثم أعطاه يده ليشدّها بعكس الاتجاه.
كنت أرى الألم في عينيه…
لكنه كان يتصنّع الابتسامة،
ويكرر:
“تسلم يا بيّي.”
كرامة البرّ
دفع الشاب أجرة الحلاق،
فرفض الحلاق تأثرًا بعظيم برّه،
فأقسم عليه الشاب أن يأخذها.
ثم التفت إلى إخوته وقال:
“شيلوا معي… ورانا ترويشة.”
والبسمة لا تفارق وجهه.
درس لا يُنسى
لم أتمالك نفسي.
اقتربتُ منه وهو يدفع عربة أبيه،
قبّلتُ رأسه وقلت:
“هنيئًا لك برّك بأبيك… هنيئًا لك هذا المقام.”
ثم قبّلت رأس العجوز.
رحلوا…
وبقي المشهد محفورًا في قلبي.
💡 العِبرة
التدين ليس مظهرًا،
ولا لحية،
ولا محاضرة.
التدين سلوك.
ويظهر عند المحك…
عند التعب،
والأذى،
والاختبار الحقيقي.
فلا تحكموا على الناس من أشكالهم،
فكم من قلوبٍ عامرة بالإيمان
تختبئ خلف مظهرٍ لا يشبه الصور النمطية.
اللهم حسّن وجمّل بواطننا وظواهرنا.

